الكلمة بريس
في مشهد أقرب إلى فيلم خيال علمي، احتفلت الجزائر مؤخرا بحدث وصفته وسائل الإعلام المحلية بـ”التاريخي”، وهو بدء استخدام أول جهاز للدفع الإلكتروني! نعم، في 2024، في عصر الذكاء الاصطناعي والمدفوعات عبر الهواتف الذكية، لا تزال الجزائر تكتشف سحر تمرير البطاقة البنكية في جهاز TPE وكأنها أول دولة تخترع هذه التقنية.
الخبر لم يمر مرور الكرام، بل كان مادة دسمة للصحافة العالمية، وعلى رأسها جريدة “Le Monde” الفرنسية، التي لم تفوت الفرصة لتوجيه سهام السخرية، مؤكدة أن الجزائر “تعيش في عالم آخر غير الذي نعيشه”، ورغم أن التصريح صادم، إلا أنه يختصر الكثير، خصوصا عندما نرى الحملة الإعلامية الواسعة التي رافقت هذا “الإنجاز العظيم”، وكأن البلاد تضع أول قدم لها على سطح القمر.
الصحيفة الفرنسية أضافت أن بعض المسؤولين الجزائريين تعاملوا مع البطاقات البنكية وكأنها اختراع قادم من المستقبل، وهو ما أثار موجة من السخرية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تداول الجزائريون مقاطع فيديو لمسؤولين مذهولين أمام هذه التقنية التي يستخدمها العالم منذ عقود.
أما على أرض الواقع، فالأمر لا يزال بعيدا عن الحلم الوردي الذي تحاول السلطات تسويقه، إذ أن الدفع النقدي لا يزال الملك المتوج في الجزائر. وحتى بعد توفر البطاقات البنكية وانتشار أجهزة الدفع، فإن المواطنين والتجار على حد سواء لا يزالون ينظرون إليها بشيء من الريبة، إما بسبب الأعطال التقنية المتكررة أو بسبب عدم اقتناعهم بأن الجزائر مستعدة فعلًا لهذا “التحول الرقمي”.
وفي خطوة أخرى بدت كنوع من المحاولات اليائسة، أعلنت الحكومة الجزائرية السماح باستخدام بطاقات “فيزا” و”ماستركارد”، وكأن البلاد أصبحت فجأة مركزا ماليا عالميا، كما أطلق “بريد الجزائر” حملة توعوية لإقناع الجزائريين بأن الدفع الإلكتروني ليس مؤامرة إمبريالية لسرقة أموالهم، بل مجرد وسيلة حديثة للدفع، حتى لو كان الحصول على السيولة من الشبابيك الآلية لا يزال يشبه لعب الروليت الروسي.
وفي النهاية، قد يكون الدفع الإلكتروني قد وصل إلى الجزائر، لكنه وصل متأخرًا، مترنحا، ومحاطا بالكثير من علامات الاستفهام، فهل يكون هذا “الاكتشاف العظيم” مجرد فقاعة إعلامية أخرى، أم أن الجزائريين سيقتنعون يوما بأن التكنولوجيا ليست خطرا على السيادة الوطنية؟ وحدها الأيام كفيلة بالإجابة.
عذراً التعليقات مغلقة