الكلمة بريس
في قلب الحافلات المكتظة التي تجوب شوارع العاصمة الاقتصادية، الدار البيضاء، لا يلتقي المواطنون فقط للوصول إلى وجهاتهم اليومية، بل يتقاسمون أيضاً مساحة تعكس بوضوح بعض الديناميكيات الاجتماعية المعاصرة. ومن بين المظاهر التي باتت تؤثث هذا الفضاء اليومي، تبرز ظاهرة التسول داخل وسائل النقل الحضري؛ حيث تحولت مقاعد الحافلات وممراتها إلى منصة للاستعطاف المباشر، تضع كرم المواطن الفطري ووازعه الديني في اختبار مستمر بين التعاطف الإنساني العفوي والتطلع إلى رحلة هادئة ومنظمة. وتتعدد الأساليب المشاهدة يومياً بين سرد القصص المؤثرة، أو تظاهر بالمرض، وهي سلوكيات تتضاعف فاعليتها في المساحات الضيقة التي يصعب فيها توجيه النظر بعيداً عن الحالة المعروضة.
وتغذي هذه الظاهرة عوامل بنيوية متداخلة، يأتي في مقدمتها التوسع الديموغرافي السريع للمدينة، والهشاشة الاقتصادية التي تدفع بعض الفئات غير المؤهلة لسوق الشغل إلى البحث عن حلول بديلة لكسب قوت يومها، إلى جانب الكثافة السكانية المرتفعة داخل وسائل النقل العام التي توفر بطبيعتها جمهوراً مستمراً. ويساهم التضامن الاجتماعي المتجذر لدى البيضاويين في استمرارية هذه الممارسات، إذ تدفع الرغبة الصادقة في فعل الخير الكثيرين إلى تقديم يد العون بشكل فوري وعفوي.
ومن منظور جودة الخدمات، فإن استمرار هذه المظاهر يطرح تحديات تتعلق براحة المرتفقين والسكينة العامة؛ حيث يتذمر الركاب في بعض الأحيان من الإلحاح المستمر الذي قد يتطور إلى مشادات كلامية تؤثر على أجواء الرحلة، فضلاً عما تشكله هذه المشاهد من تباين مع الجهود التنموية الكبيرة التي تبذلها المدينة لتحديث وتطوير قطاع المواصلات وهيكلة فضاءاتها العامة لتليق بمكانتها الاقتصادية.
إن معالجة هذا الملف المعقد لا تقع على عاتق جهة بمفردها، بل تتطلب مقاربة تشاركية مندمجة توازن بين البعدين التنظيمي والاجتماعي. ويتجلى ذلك في تعزيز آليات التوجيه والمواكبة داخل شبكات النقل، ودعم مراكز الرعاية الاجتماعية المعنية بإيواء الفئات الهشة وإعادة إدماجها، إلى جانب إطلاق حملات توعوية تحث المواطنين على توجيه تبرعاتهم وصدقاتهم نحو القنوات المؤسساتية والجمعيات الخيرية المعتمدة؛ وهو ما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه الفعليين من جهة، ويحفظ كرامة الإنسان والنظام العام لوسائل النقل الحضري من جهة أخرى.






















































عذراً التعليقات مغلقة