حمودة ويدير
ليست كل مظاهر الإهمال مرتبطة بالشوارع والساحات والمرافق العمومية، فهناك أماكن لها حرمة خاصة، ويُفترض أن تحظى بأقصى درجات العناية والاحترام، وفي مقدمتها المقابر التي تضم رفات من سبقونا إلى دار البقاء. لكن واقع مقبرة سيدي مسعود، المعروفة لدى البيضاويين باسم «بيضاوى»، أصبح يثير الكثير من الاستياء والتساؤلات حول حجم الإهمال الذي طال هذا الفضاء ذي الحمولة التاريخية والإنسانية.
فهذه المقبرة ليست مجرد مكان لدفن الموتى، بل هي جزء من ذاكرة مدينة الدار البيضاء، وتضم رفات أجيال من أبنائها ومن أوائل ساكنتها الذين ارتبطت حياتهم بتاريخ المدينة وتطورها. ومع ذلك، فإن الوضعية التي أصبحت عليها لا تعكس ما تستحقه من عناية وتقدير.
جولة بسيطة داخل محيط المقبرة تكشف عن مشاهد مؤسفة؛ باب مكسّر لا يوفر الحد الأدنى من الحماية، وغياب الحراسة والمراقبة، وانتشار الأزبال ومظاهر العشوائية والفوضى، فضلاً عن غياب التنظيم والعناية التي يفترض أن تكون من الأولويات لدى الجهات المكلفة بتدبير هذا المرفق.
والأكثر إثارة للاستغراب أن الأمر يتعلق بمقبرة تضم رفات أجداد وآباء وأمهات وأجيال كاملة من أبناء المدينة، ممن تركوا بصمتهم في تاريخ الدار البيضاء، فكيف يُعقل أن يصل الإهمال إلى هذا المستوى، وكأن حرمة الموتى أصبحت أمراً ثانوياً لا يستحق الاهتمام؟
إن المقابر ليست فضاءات عادية، ولا ينبغي التعامل معها بمنطق التدبير الموسمي أو التدخل المناسباتي، بل هي أمانة تتطلب الصيانة الدائمة، والنظافة المنتظمة، والحراسة، وحماية القبور من كل ما من شأنه المساس بحرمتها أو الإساءة إلى كرامة الراحلين.
ومن هنا، نطرح مجموعة من الأسئلة المشروعة: من يتحمل مسؤولية هذه الوضعية؟ أين الجهة المكلفة بالحراسة والصيانة؟ ولماذا لم يتم إصلاح الباب المتضرر ووضع حد لمظاهر العشوائية؟ وهل هناك برنامج واضح ومستمر للعناية بهذا المرفق الذي يحمل ذاكرة أجيال من البيضاويين؟
وهنا نتوجه بنداء إلى السيد العامل المحترم، من أجل التدخل العاجل وإعطاء تعليماته للجهات المختصة قصد الوقوف ميدانياً على الوضعية التي تعيشها مقبرة سيدي مسعود «بيضاوى»، والعمل على رفع الضرر وإعادة الأمور إلى نصابها.
فالمطلوب ليس حلولاً ترقيعية أو حملات تنظيف عابرة، وإنما تدخل مسؤول ومستدام يشمل إصلاح المدخل، وتوفير الحراسة، وتنظيم الفضاء، وإزالة الأزبال، والعناية بممرات المقبرة، مع وضع آلية للمراقبة والصيانة الدورية حتى لا تتكرر هذه المشاهد المؤسفة.
إن احترام الموتى عنوان لتحضر المجتمعات، وصيانة المقابر واجب ديني وإنساني وأخلاقي قبل أن يكون مسؤولية إدارية.
فهل تتحرك الجهات المسؤولة قبل أن يستمر هذا الوضع في التفاقم؟ أم ستظل مقبرة الأجداد شاهدة على إهمال لا يليق بتاريخ الدار البيضاء ولا بساكنتها؟
رحم الله من رحلوا، وحفظ حرمة قبورهم، فليس من الوفاء لمن بنوا ذاكرة هذه المدينة أن نترك مثواهم الأخير عرضة للإهمال والنسيان.
كرامة الموتى من كرامة الأحياء.. ومقبرة الأجداد تستحق أن تُصان، لا أن تُهمَل!






















































عذراً التعليقات مغلقة