حمودة ويدير
تعيش مدينة الدار البيضاء، من جديد، على وقع تنامي ظاهرة التسول والتشرد في عدد من الشوارع والأحياء والفضاءات العمومية، في مشهد أصبح يثير قلق المواطنين ويطرح أكثر من علامة استفهام حول الأسباب الحقيقية وراء استفحال هذه الظاهرة، والجهات التي تتحمل مسؤولية الحد منها.
ولا يتعلق الأمر هنا بالمحتاج الحقيقي الذي دفعته ظروفه الاجتماعية القاسية إلى طلب المساعدة، فهذا شخص يستحق التضامن والمساندة والحماية الاجتماعية، وإنما يتعلق الأمر أيضاً بانتشار حالات أصبح فيها التسول وكأنه مهنة دائمة ومصدر دخل مستمر.
من يشجع الظاهرة؟
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: من يساهم، ولو من دون قصد، في استمرار هذه الظاهرة؟
لا شك أن كرم المغاربة وتضامنهم مع المحتاجين من القيم التي تميز المجتمع المغربي، لكن تقديم المال بشكل عشوائي لكل من يطلبه في الشارع قد يؤدي أحياناً إلى نتيجة عكسية.
فكلما أصبح التسول مصدراً مضموناً للدخل بالنسبة إلى البعض، زادت جاذبية الشارع، وأصبح من الصعب معالجة الظاهرة بشكل جذري.
وهنا لا بد من التأكيد على أن التعميم مرفوض؛ فليس كل من يتسول محتالاً، وليس كل شخص يعيش في الشارع اختار ذلك بإرادته. هناك أسر تعاني الهشاشة، وأشخاص فقدوا مورد رزقهم، وآخرون يعيشون أوضاعاً اجتماعية وإنسانية صعبة، وهؤلاء يحتاجون إلى الرعاية والتوجيه والإدماج، وليس إلى الاحتقار أو الإقصاء.
الصدقة لمن يستحقها
إن مساعدة المحتاج عمل نبيل، لكن الأهم هو أن تصل هذه المساعدة إلى من يستحقها فعلاً.
فبدل توزيع الأموال بشكل عشوائي في الشوارع، يمكن للمواطن أن يوجه صدقته إلى مؤسسات الرعاية الاجتماعية، والجمعيات الجادة، والأسر المعوزة، أو الأشخاص المعروفين بحاجتهم الحقيقية.
وبذلك يتحول الإحسان من مجرد مبلغ يُعطى في لحظة عابرة إلى مساعدة يمكن أن يكون لها أثر حقيقي ومستدام في حياة المحتاج.
وماذا عن الأطفال والنساء؟
من أكثر الجوانب إثارة للقلق استغلال بعض الأطفال والنساء في التسول، خصوصاً في الأماكن التي تعرف حركة كبيرة للسيارات والمواطنين.
وهنا تصبح المسؤولية أكبر، لأن الطفل مكانه الطبيعي هو المدرسة والأسرة، وليس الشارع لساعات طويلة من أجل استدرار عطف المارة.
كما أن معالجة هذه الحالات تحتاج إلى تدخل اجتماعي ومؤسساتي، وليس فقط إلى حملات ظرفية، لأن المطلوب هو معرفة الأسباب وإيجاد حلول حقيقية ومستدامة.
التسول ليس حلاً للفقر
الفقر مشكلة اجتماعية تحتاج إلى التشغيل والتكوين والحماية الاجتماعية والمواكبة، وليس إلى ترك الناس في الشوارع ينتظرون إحسان المارة.
لذلك فإن مواجهة الظاهرة يجب أن تقوم على مقاربة متوازنة: رحمة بالمحتاج الحقيقي، وحماية للأطفال، ومواكبة للأشخاص في وضعية هشاشة، وحزم تجاه كل من يحول التسول إلى نشاط احترافي أو يستغل الآخرين لتحقيق الربح.
فالمدينة التي تطمح إلى أن تكون في مستوى تطلعات سكانها وزوارها، تحتاج أيضاً إلى معالجة مظاهر الهشاشة الاجتماعية بطريقة تحفظ كرامة الإنسان وتحافظ على جمالية الفضاء العام.
المواطن شريك في الحل
لا يمكن تحميل السلطات وحدها مسؤولية الظاهرة. فالمواطن أيضاً شريك أساسي في مواجهتها.
وإذا كان من حق المحتاج أن يطلب المساعدة، فمن حق المواطن كذلك أن يعرف أين تذهب صدقته وكيف يمكن أن تكون مساعدته أكثر فائدة.
ليس المطلوب أن نتوقف عن مساعدة الناس، بل المطلوب أن نحسن اختيار من نساعد وكيف نساعده.
فالصدقة الحقيقية ليست في إعطاء المال لأول شخص يمد يده، وإنما في أن تصل المساعدة إلى صاحب الحاجة الفعلية، وأن تساهم في إخراجه من وضعية الهشاشة بدل أن تجعل الشارع مصدر رزقه الدائم.
الدار البيضاء تحتاج إلى حل حقيقي
ظاهرة التسول والتشرد لن تختفي بالمعالجة الأمنية وحدها، كما أنها لن تختفي بتجاهلها. المطلوب هو عمل مشترك بين السلطات المحلية والمصالح الاجتماعية والجمعيات والمجتمع المدني، مع توفير آليات حقيقية للرعاية والإيواء وإعادة الإدماج والتكوين والبحث عن فرص للعيش الكريم.
فالدار البيضاء مدينة كبيرة، ومشاكلها الاجتماعية تحتاج إلى حلول بحجمها، وليس إلى تدخلات مؤقتة تظهر عند اشتداد الانتقادات ثم تختفي بعد ذلك.
وفي النهاية، يبقى كرم المغاربة قيمة نفتخر بها، لكن هذا الكرم يجب أن يكون موجهاً إلى مستحقيه. أما منح المال بشكل عشوائي، فقد يساهم أحياناً، من حيث لا نشعر، في تشجيع بعض الممارسات التي نشتكي منها في الأصل.
مساعدة المحتاج واجب إنساني، لكن محاربة استغلال الإحسان مسؤولية جماعية.























































عذراً التعليقات مغلقة