أبو سفيان الكابوس
لم تعد واجهات “مراكز الاسترخاء والجمال” في كبريات المدن المغربية مجرد أماكن للتدليك والعناية بالجسد، بل تحول عدد كبير منها إلى واجهة مقنعة لشبكات دعارة منظمة واستغلال جنسي ممنهج، يعيد إلى الأذهان تجارة الرقيق الأبيض، ولكن بلبوس عصري يحمل لافتة مضيئة كتب عليها “Le Bien-être & Spa”.
تبدأ الحكاية دائما بنفس السيناريو. فتيات في مقتبل العمر، قادمات في الغالب من هوامش المدن ومناطق مهمشة، بمستوى دراسي محدود وبدون أي تكوين مهني، اصطدمت أحلامهن بواقع البطالة القاتل. لم يجدن عملا يحفظ كرامتهن، فقادتهن الصدفة، أو بالأحرى شبكات من الوسيطات التي تنشط على مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة، إلى إعلانات عمل مغرية: “مطلوبة موظفات استقبال بصالون تدليك راقي، راتب محترم ومبيت”.
عندما تلج الفتاة هذا العالم لأول مرة، تكتشف الخدعة الكبرى. لا أحد يسألها إن كانت تتوفر على دبلوم في الطب الناعم أو ما يطلق عليه la médecine douce، ولا عن معرفتها بخريطة الجسد وعضلاته. الشرط الوحيد والأساسي هو أن تتوفر على مقومات جسدية للإغراء. يتم إخضاعها لتدريب خفيف وسريع لا يتجاوز أياماً، ليس على أصول التدليك العلاجي، بل على كيفية استعمال الأنامل لإثارة الزبون ورفع حالة الهيجان لديه، مع تلقينها عبارات وجمل لإقناعه بخدمات إضافية خارج إطار التدليك.
ثم تجد الفتاة نفسها فجأة وحيدة في غرفة ضعيفة الإضاءة، تفوح منها روائح بخور رخيص، أمام جسد ذكوري يطلب منها ما لم تكن تتوقعه. وهنا يبدأ مسلسل السقوط التدريجي. فكثير منهن يجدن أنفسهن مجبرات على تقديم خدمات جنسية تحت التهديد بالطرد والتشهير، أو تحت إغراء المال السريع بعد أن أغلقت في وجههن كل الأبواب.
والأخطر في هذه المنظومة هو الاستغلال الاقتصادي البشع الذي يرقى إلى مستوى العبودية الحديثة. فلا رقابة على هذه المحلات، والدليل الصارخ أن أغلب من يشتغلن فيها لا يتوفرن على أبسط حقوق الشغل، لا ضمان اجتماعي، ولا تأمين صحي، بل إنهن لا يتقاضين أصلا رواتبهن في رأس كل شهر كما هو متعارف عليه في أي عمل شريف. فالمنطق المعمول به مقلوب تماما، فالفتاة هي من تدفع لـ “الباطرونة” صاحبة المحل مبلغا يوميا ثابتا مقابل السماح لها بالعمل، وما تجود به جيوب الزبائن بعد إشباع غرائزهم هو ما يبقى لها، إن بقي شيء. إنها حلقة جهنمية من الاستغلال المضاعف، استغلال للهشاشة الاجتماعية والفقر، واستغلال جنسي مقنع.
هذه الصالونات المشبوهة التي تتكاثر كالفطر، خاصة في الأحياء الراقية والمناطق السياحية، تعمل في وضح النهار، وتستعمل وسائل التواصل الاجتماعي للترويج لخدماتها بصور خادشة وعبارات موحية، دون حسيب ولا رقيب. فأين هي لجان المراقبة الصحية؟ وأين هي مفتشية الشغل للوقوف على وضعية العاملات القانونية؟ وأين هي السلطات المحلية التي تمنح التراخيص لهذه المحلات دون التأكد من طبيعة النشاط الحقيقي الذي يمارس خلف الأبواب المغلقة؟
إن ما يقع اليوم هو اتجار صريح بالبشر واستغلال بشع لضعف وهشاشة فتيات وجدت نفسها ضحية الفقر والحاجة. إنه استغلال مقنن تحت يافطة الرفاهية والاسترخاء. فهل آن الأوان لتقنين حقيقي لهذا القطاع وفرض احترام القانون، من خلال إلزامية التوفر على دبلومات معترف بها، وإخضاع جميع العاملات للتصريح في الضمان الاجتماعي، ومراقبة دورية وصارمة من طرف السلطات المختصة؟ أم سيظل الأمر مجرد حملات أمنية موسمية تنتقي بعض المحلات لتقديمها ككبش فداء للرأي العام، وتترك المئات منها تشتغل في السر والعلن، تحطم كل يوم أحلام ومستقبل فتاة جديدة؟






















































عذراً التعليقات مغلقة