ضد إرادة أغلبية مجتمع الصحافيين المغاربة، صدر قبل أربعة أيام، في الجريدة الرسمية، القانون الجديد لإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، وعليه توقيع رئيس حكومة تصريف الأعمال عزيز أخنوش، الذي يُعد هو نفسه من أكبر المستثمرين في الإعلام المكتوب، سرًّا وعلانية… (لخبار في راسكم).
رغم فضيحة غرفة عمليات المجلس الوطني، التي كانت مخصصة لسلخ جلد المهنة، وجلد بعض الصحافيين المغضوب عليهم، ورغم كل ما أثاره الشريط الذي أصبح علامة بارزة عن صحافة “آش آش”، و”غادي نتبع المَوْ في المحكمة”، التي قالها مدير نشر في حق زميله حميد المهداوي… دون ان يتابع إلى الان بتهمة التأثير على القضاء ، لو باستعمال Un petit mot !
رغم كل هذا جاء القانون الجديد على مقاس أعضاء مجلس الدعم السريع الذي كان يترأسه الدكتور الجديد يونس مجاهد وزميله في المجلس والحرفة والدكترة خالد الحري !
هذه ليست صحافة هذه منشورات وُجدت لغسل وتكفين ودفن مهنة لم يعد لها من يدافع عنها أو يبكي لخراب بيتها…
القانون الجديد، ورغم خلوه من أي احترام للدستور، أو أي اعتبار للحرية،
أسند عمليًا سلطة التمثيل والتأديب والتحكيم، ومنح البطاقة الصحافية، ووضع ميثاق الأخلاقيات، إلى أكثر نقابة ميتة للصحافة في العالم…
وإلى جمعية سلطوية خارجة للتو من رواية 1984، أي أورويلية الشكل والجوهر… (الفاهم يفهم).
جاء ميلاد المجلس الوطني للصحافة، في القانون الجديد، وفيًا كل الوفاء لمرحلة الجزر العام التي نعيشها في المغرب، وجاء قانونه المفصل على المقاس لقتل فكرة التنظيم الذاتي المستقل لمهنة المتاعب، مستعملًا رقم المعاملات والحصص التصويتية، كما لو كنا أمام مجالس اتخاذ القرار داخل عائلات المافيا الإيطالية، حيث يحوز كل عضو حصة في التصويت حسب نفوذه في شوارع القتل، وتصفية الخصوم، والدفاع عن المنظمة…
طيب، إذا كانت المقاولات الصحافية مفلسة منذ أكثر من خمس سنوات، إلى درجة أن الدولة أصبحت تؤدي أجور العاملين فيها، في سابقة من نوعها في العالم، فعن أي رقم معاملات يتحدث القانون الجديد، والصحافة اليوم تمد يدها، في نهاية كل شهر، إلى وزارة المالية؟
إلى درجة دفعت الشاب خفيف الظل السياسي، المهدي بنسعيد، إلى أن يرفع صوت احتقار الصحافة في بلاده، ويقول: “نحن من نؤدي أجور هؤلاء الصحافيين!”
هذا تناقض ليس له مثيل: الحديث عن رقم معاملات مقاولات مفلسة لا تبيع سوى أقل من عشرة آلاف نسخة مجتمعة!
سيتحول جل ممثلي المجلس القادم إلى معاونين نشطين في قمع زملائهم، وتجفيف ينابيع ما بقي من ثقوب صغيرة يتسرب منها بعض الماء إلى الوادي الناشف للصحافة، والبقية يمكنكم أن تتخيلوها بسهولة، فليس في هذا السيناريو من إبداع، ولا تركيب، ولا خيال !
جل سكان بيت المجلس الوطني للصحافة القادم، في حي الرياض، ستوكل إليهم مهام إضفاء الشرعية على فوضى المشهد الصحافي، الغارق اليوم في الريع، والتبعية لمراكز القوى، والتشهير، والسب، وقتل روح الصحافة النقدية ودورها الرقابي.
وهو مشهد لم يكن يحلم به إدريس البصري، في زمانه، عندما استولى على وزارة الإعلام، وأدخلها إلى بيت الطاعة، في إقامة المارشال ليوطي، أي مقر وزارة الداخلية اليوم…
الطبيعة تخشى الفراغ، وكذلك السياسة والإعلام. وإخراج المجلس الوطني للصحافة على حالته، وإعطاؤه دور المصادقة على كل التشوهات التي لحقت بمهنة الصحافة، ممارسةً وتنظيمًا ومسلكيات، هو في الحقيقة تنصيب للموتى حكامًا على الأحياء.
وهذه أفضل هدية تُقدم لـ”صحافة” وسائل التواصل الاجتماعي، التي ستتسلم قيادة الرأي العام بلا مؤهلات ولا ضوابط ولا مهنية .
ومن يعش يحكِ، والكتاب يُقرأ من عنوانه، والليلة الفضيلة تظهر من العصر… أو حتى قبل أذان العصر
في جينات الصحافة الحديثة أربع قيم على الأقل، كلها مستهدفة في السياسة المعتمدة اليوم تجاه هذا القطاع في بلادنا:
أولًا: الحرية، بما هي فضاء للتعبير والرأي، والحق في الكلام في المجال العام دون خوف أو وجل.
ثانيًا: التعددية بكل أشكالها، بما هي طبيعة بشرية؛ فالناس لم يُخلقوا على قلب رجل واحد، والأصل فيهم الاختلاف، والإعلام هو مرآة هذا الاختلاف.
ثالثًا: حق الناس في أن تعرف ما يدور حولها من مصدر مهني، باعتبار أن الصحافة الحرة هي النسخة المتاحة من الحقيقة، على نسبيتها في هذا العالم .
رابعًا: وظيفة الرقابة التي تتيحها ما يسمى بالسلطة الرابعة داخل خطاطة الفصل بين السلط، ورقابة كل سلطة على أخرى في الأنظمة الديمقراطية.
هذه بداهيات في سجل الصحافة الحديثة كما هي في جل دول العالم. وللأسف، ما زلنا في هذه البلاد مضطرين إلى تكرارها، من باب: ذَكِّر، ومن باب: احترس، ومن باب: لا تنسَ… ﴿وكان الإنسان نسيًّا﴾.
المؤلفة مقاولاتهم، المرشحون الآن لدخول هذا المجلس على ظهر حكومة أخنوش، أغلبيتهم لا تمت بصلة قرابة ولا نسب إلى هذه القيم.
ضعوا أمامكم صحفهم، ومجلاتهم، ومواقعهم، وقنواتهم، وخطوط تحريرهم ؛ كلها تقريبًا موضوعة على سكة واحدة، وتسير في الاتجاه نفسه، وتعمل بالحكمة الشرقية المتخلفة: “ابتعد عن الشر وغنِّ له، ولِمَ لا ارقص له، واخدم عند آخر موظف عنده.”
إذن، بأموال دافعي الضرائب، وباسم البرلمان، والحكومة، والجريدة الرسمية التي تصدر باسم الدولة ورموزها، نُشيِّع اليوم الصحافة المغربية المستقلة والمهنية إلى دار الفناء…
ونرجع الى المجلس المسمى وطني لنقرا على الصحافة الفاتحة بعد ان جاهد فيها من جاهد، وفي الاخير نأكل اطباق الكسكسي
ونذكر امواتنا بالخير
وفي الصباح نقتسم التركة
ونمر الى شيء اخر
جفت الاقلام وطويت الصحف
واخر دعوانا ان الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه
وبه وجب الاعلام والسلام ..



















































عذراً التعليقات مغلقة